الشيخ محمد رشيد رضا
468
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
لقمان وكنت قد فكرت في ذلك في أيام طلبي للعلم فظهر لي ان علم اللّه تعالى بجميع الموجودات علم شهادة وعلمه بما لم يوجد علم غيب ، وأن ما لم يوجد فخزائنه أو مفاتيح خزائنه التي يسفيد الناس من بيانها هي تلك الخمس ، وهي لم تذكر بصيغة الحصر وقد بينت ذلك في كتابي ( الحكمة الشرعية ) الذي ألفته في عهد الطلب في سياق البحث في الكشف من أنواع كرامات الأولياء وبعد ذكر الآية والحديث في تفسيرها بتلك الخمس ، فقلت ما نصه : ثم إنه لا يخفى ان معلومات اللّه تعالى الغيبية لا تدخل تحت الحصر فما معنى تخصيص هذه الخمس بالذكر مع كونها مما قد يطلع عليه بعض عباده وما معنى كونها مفاتح الغيب ؟ وأجيب بأن هذه الخمس هي التي كانوا يدعون علمها والعدد لا مفهوم له على الراجح فلا ينفي زائدا على المذكور ( قلت ) وهذا لا يدل على كونها مفاتح الغيب وقد فتح اللّه عز وجل علي بفهم معنى لطيف في معنى كون هذه الخمس مفاتح أو مفاتيح وعرضته على مشايخي كالأستاذ الشيخ محمد القاوقجي والعلامة الشيخ محمود نشابة « 1 » وغيرهما فأعجبوا به ، وهو ان المفاتح جمع مفتح بفتح الميم أو كسرها بمعنى الخزائن أو المفاتيح والغيب ما غاب عن الوجود أو الشهود وهو عالم البرزخ وعالم الآخرة وبعض عالم الدنيا وهو النبات الذي لم يوجد والحيوان الذي لم يولد وكسب الأنفس الذي يحصل في المستقبل ؛ وفي قوله تعالى ( إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) إشارة إلى جميع ذلك : فالساعة مفتاح عالم الآخرة والغيث مفتاح عالم النبات وما في الارحام مفتاح عالم الحيوان وقوله ( وَما تَدْرِي نَفْسٌ ) ظاهر في مفتح الكسب والاعمال وقوله تعالى ( وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ) أي كما لا تدرى بأي وقت إشارة بالموت إلى عالم البرزخ . وبعبارة أخرى : العوالم ثلاثة الأول القريب الداني الذي نقيم فيه قبل الموت والآخر الذي نقيم فيه بعد الموت إلى
--> ( 1 ) كنت أتلقى عن الأول ما رواه من الأحاديث المسلسلة وكتابه المعجم الوجيز في الحديث وعن الثاني صحيحي البخاري ومسلم وفقه الشافعية وكان علامة الزمان في العلوم الأزهرية وهو شيخ مشايخنا وشيخ الوالد رحمهم اللّه أجمعين